العلمانية أم الديمقراطية

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 5 أكتوبر 2015 - 3:47 صباحًا
العلمانية أم الديمقراطية

بقلم د.جمال بندحمان
    

تثير المقابلة بين العلمانية والديمقراطية استغرابا لدى من لا يؤمن بالمعادلات ويشتغل بمنطق الثنائيات الحادة، لكنه من منظورنا تقابل له مسوغاته التي سنبسطها في الفقرات القادمة
من يستعيد النقاش الذي أطلقه رواد عصر النهضة سيسجل أن منطق ( إما….وإما ) هو الذي وجه ذلك الحجاج بين مفكرين مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وفرح أنطون والبستاني وسلامة موسى ،وقد يكون من المفيد في هذا المقام مراجعة النقاش الذي دار بين مفكرين مثل محمد عبده وفرح أنطون، أو رسالة ( الرد على الدهريين) للأفغاني، أو كتابات سلامة موسى …لأنها ستسمح لنا بإعادة استحضار لحظة التأسيس لمناقشة قضايا السلطتين الدينية والسياسية في العالم العربي، ومن خلال هذا الاستحضار فهم معوقات سوء الفهم الكبير الذي حصل في هذا المجال، والذي ما زالت تبعاته مستمرة، وكان أول ضحاياه الديمقراطية. وقد نذهب بعيدا فنعتبر أن أنصار العلمانية المتطرفة خدموا، وقد يخدمون، من حيث لا يدرون، الاستبداد لأنهم أعطوه تعليلات يدافع بها عن نفسه، ضمنا أو مباشرة.
غير أن إعادة قراءة ما أنجزه مفكرو النهضة ينبغي أن يستحضر السياق الخاص المتمثل في ظروف القرن التاسع عشر وما تلاه، ذلك أن هذه الظروف أفرزت اتجاهين؛ أحدهما دافع عن الاستقلال عن الأتراك ضمن وحدة عربية منشودة، واتجاه دافع عن الجامعة الإسلامية. وكان لابد أن يحدث التقابل الحاد بين تصورين متباينين؛ أحدهما يعتبر أن دخول المدنية لن يتحقق في غياب العلمانية، وثانيهما يعتبر أن الحل هو ديننا (أي الإسلام). اقرأ ذلك لدى الأفغاني مثلما نقرأه لدى البستاني أو فرح أنطون ومحمد عبده أو سلامة موسى. وستكون لهذه الاختيارات تبعات امتدت إلى فترة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي، خاصة في المشرق العربي بحكم التواجد المسيحي، حيث إن مبدأ حكم المواطنين المسيحيين بدين الأغلبية سيجعل الهيمنة حاصلة بالضرورة ما لم يتم الاحتكام إلى آلية ناجعة تحتاج بدورها إلى تغيير الذهنيات والأحكام المسبقة . وهو ما سيقود إلى طرح إشكال كبير يتعلق ب (بشكل الدولة)، وهنا سيطرد الحديث عن الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية أو فصل الدين عن الدولة وهي العبارة غير المستساغة في المجال التداولي الإسلامي.
هذا التذكير المختزل بمسار تبيئة مفهوم العلمانية عربيا سيسمح لنا بالقول إن الإشكال الأكبر لم يكن ، يوما، في مدلول المفهوم، بل كان في الدال أساسا. بمعنى آخر أن المشكل الأكبر كان دوما هو شكل الدولة، وكان أيضا هو التوظيف غير السليم للمفاهيم، مما قاد إلى خلق التباسات كبيرة. ذلك أن المتأمل للموضوع سينتهي إلى أن جوهر المطالب كانت دوما مرتبطة بالديمقراطية وليس بشيئ آخر.
لنقارب الموضوع من زاوية أخرى، وهي مناقشة مقومات الديمقراطية في علاقتها بمفهوم العلمانية مستحضرين درس الجابري. يقول: (مسألة العلمانية مسألة مزيفة لأن طبيعة المطالب مشروعة لكن طريقة الصياغة ليست سليمة فعوض الحديث عن مطلب العلمانية يفترض أن يكون المطلب مرتبطا بالديمقراطية والعقلانية) لكن لماذا سنقوم بذلك؟ يجيبنا الجابري ، وهو يستحضر تجربة الحكم في التاريخ الإسلامي، (الديمقراطية تعني حفظ الحقوق: حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية ….. وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج) الهوى والتعصب وتقلبات المزاج هي أدوات الحكم التي اعتمدت من قبل قوى الجبر والتسلط باسم هذه المرجعية أو تلك، لذلك فإن القبول بالديمقراطية سيجعل الحديث عن العلمانية تحصيل حاصل؛ لأن هذه الديمقراطية تتأسس على قواعد المساواة والإنصاف ومبادئ الحقوق والواجبات وقيم المواطنة ، وليس على أساس الاقتناعات المرجعية التي هي اختيارات فردية، وقد تكون جماعية أيضا.وهكذا، إذا كان جوهر العلمانية قائما على القبول بالتعددية الثقافية والعقائدية…….، فإن الديمقراطية أعلى قيمة من ذلك، وتحقق المطلوب وما يفوقه.
نعم، إننا نقر بأن واقع العالم العربي أشد تعقيدا من التنظير له، لكننا جد مقتنعين بأن تصحيح مسار المفاهيم بمراعاة طبيعة هذا الواقع، وعدم استبعاد تجربته التاريخية، ومقوماته الثقافية سيسمح بخلق (ذهنية ديمقراطية) . ذلك أن حصر الديمقراطية في الآليات يبخس قيمتها، فهي أولا وقبل كل شيء ذهنية تجعل القبول بالآخر ،المختلف، حقا وواجبا، وتجعل التسامح السياسي والفكري والعقدي ممارسة ليست في حاجة إلى إقناع الآخرين بها. وإذا تحقق ذلك فمعناه أن العلمانية ستصبح من حواشي الديمقراطية. غير أن هذا التحقق في حاجة إلى مجهود بيداغوجي جماعي تستطيع كتلة تاريخية مشبعة بقيم الديمقراطية إنجازه.